13Aug
دراسة ترصد مسار الخطر في وادي الصرمي وتكشف الحاجة إلى إدارة متكاملة للفيضانات
تُعد الفيضانات في المناطق الجافة تحديًا مركبًا، حيث لا يكون الفيضان حدثًا عابرًا فحسب، بل امتحان لقدرة المكان، ببنيته الطبيعية والعمرانية، على استيعاب الفيضانات والحد من آثارها، ولقدرة الإنسان على التخطيط، وفي هذا الصدد جاءت الدراسة التي أنجزها فريق بحثي يترأسه الدكتور غازي بن علي الرواس من كلية الهندسة، متخذًا من وادي الصرمي في شمال الباطنة نموذجًا لفهم الفيضانات المفاجئة، لا بوصفها ظاهرة مائية فقط، بل باعتبارها مسألة ترتبط بالطبيعة الجغرافية والعمران والإدارة العامة في آنٍ واحد.
وتنبع أهمية هذا العمل البحثي من أنه ينظر إلى الوادي والمدينة بوصفهما مجالًا واحدًا متصلًا؛ فالمياه التي تتجمع في المنابع الجبلية لا تتوقف عند حدود الطبيعة، بل تواصل اندفاعها حتى تبلغ المناطق الحضرية، حيث تتعاظم الأخطار على السكان والبنية الأساسية، وتوضح الدراسة أن سهل شمال الباطنة بطبيعته الساحلية المنبسطة وبالتوسع العمراني السريع الذي شهده، ظل عرضة لفيضانات شديدة خلال الأعوام الماضية، الأمر الذي جعل البحث عن معالجة أكثر شمولًا ضرورةً ملحة.
واعتمد الباحثون على نموذج SWMM لمحاكاة السلوك الهيدرولوجي والهيدروليكي في المنبع والمصب معًا، حيث تتطلب ادارة الفيضانات في الأحواض التي تضم مناطق غير حضرية في الأعلى ومناطق حضرية في الأسفل تصميم حلول بشكل متكامل بين الجزأين، وليس بصورة منفصلة. حيث تم بناء معالجة متدرجة تبدأ بتحسين مواقع سدود الاحتجاز وأبعادها في الجزء غير الحضري من خلال إطار تحسين متعدد الأهداف (Multi-objective optimization)، تلاه اختيار السيناريوهات باستخدام أسلوب (COPRAS)، ثم تطبيق نظرية الألعاب (BIGT) لحل تعارض المصالح بين الجهات المعنية، وتنتقل بعد ذلك إلى إعادة تصميم شبكة التصريف في الجزء الحضري، ولم تقف الدراسة عند حدود الحل الهندسي، بل استعانت أيضًا بطريقة الاستدلال العكسي في نظرية الألعاب (BIGT)، وهي منهج يُستخدم لتحليل تفاعل القرارات بين الجهات المعنية، بهدف اختيار الحل الذي يحقق توازنًا بين إدارة الفيضانات في المنبع والمصب ويحد من تعارض المصالح بينهما، وذلك من أجل التوفيق بين أولويات الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وبلدية صحار. تتضمن المنهجية تحسين التحكم في مياه الفيضان في أعلى الحوض، ثم تصميم شبكة التصريف داخل المدينة بناءً على ذلك، وأخيرًا اختيار الحل الأكثر توازنًا وملاءمة لجميع الأطراف.
وأظهرت النتائج بالمقارنة مع الحالة المرجعية، خفضت الخطة المختارة ذروة الجريان عند مداخل المناطق الحضرية بنسبة 60.7 %. كما رفعت قدرة شبكة التصريف على استيعاب الصدمة إلى 81.8 % والتي يقصد بها درجة قدرة شبكة التصريف على استيعاب حجم الفيضان والحد من تأثيره،وهو مؤشر يقيس قدرة النظام على تقليل حجم الفيضانات مقارنة بالحالة الأسوأ والأفضل تصميمًا (Vmax و Vmin)، وتضمنت الخطة 11 سدًا احتجازيًا موزعة على مواقع مؤثرة داخل الحوض، وكان أعلى هذه السدود السد D3 بارتفاع بلغ 10.9 أمتار، ويكشف ذلك أن المعالجة لم تُبنَ على حل واحد جامد، بل على تصميم يتكيف مع تضاريس الوادي وخصائص الجريان فيه.
وخلصت الدراسة إلى معنى واضح، وهو أن إدارة الفيضانات لا تستقيم حين يُعالَج المنبع وحده أو المصب وحده، وإنما حين يُنظر إلى الحوض المائي كله بوصفه وحدة واحدة، تجمع بين دقة النمذجة، وكفاءة المنشآت، وحسن التنسيق المؤسسي، وهكذا يتحول التعامل مع الفيضان من رد فعل متأخر إلى تدبير استباقي أكثر اتزانًا وأبقى أثرًا.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0048969724079191