في زوايا الحرم الجامعي الواسع، حيث تختلط أصوات الطلبة الجدد بضجيج الحقائب والكتب، يخطو الطالب عبد الملك بن خالد بن زاهر الإسماعيلي بثقة نحو بداية جديدة في حياته الأكاديمية. غير أن أسبوعه الدراسي الأول في جامعة السلطان قابوس لم يكن مجرد بداية لمسيرة جامعية، بل محطة في رحلة طويلة من الإصرار ومواجهة التحدّيات منذ طفولته.
وُلد عبد الملك بلا أطراف، لكنه لم يولد بلا إرادة. واليوم، يدخل أروقة كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، مستعينًا بيد صناعية إلكترونية متطورة ترتبط بإشارات دماغه، لتصبح وسيلة تعينه على ممارسة حياته وتعليمه. وبين رحلة الأسرة في البحث عن وسائل تساعده، وإصراره على التعلّم والمضيّ قدمًا، تتشكل قصة طالب اختار أن يجعل من التحدّي دافعًا لمواصلة طريقه.
- رحلة البحث عن وسيلة للتعلّم
يروي خالد بن زاهر الإسماعيلي، والد الطالب عبد الملك، أن رحلة الأسرة بدأت منذ الأيام الأولى بعد ولادته، بحثًا عن وسيلة تساعده على تجاوز التحديات المرتبطة بحالته: "منذ الأيام الأولى بعد ولادته، بدأنا رحلة البحث عن العلاج، يقودنا الإيمان واليقين التام بأن لكل مرض شفاء، ولكل إعاقة وسيلة تعينه وتعوّضه عمّا فقد، بدأنا العلاج داخل البلد، ثم توجّهنا إلى الخارج، لكن لم نجد علاجًا يمكّننا من زراعة أطراف علوية له."
ومع استمرار البحث، ظهرت فكرة اليد الاصطناعية التجميلية الحاملة للقلم، لتكون خطوة أولى نحو تمكين عبد الملك من الكتابة والتعلم، ويضيف والده: "جاءت فكرة اليد الاصطناعية التجميلية الحاملة للقلم، فتوجهنا إلى الخارج وتم عملها، وبدأ يمارس الكتابة. كانت البداية صعبة، لكنه أتقنها مع الوقت، وهناك بدأ التفاؤل وانطلاقته نحو التعليم."
وكان من أبرز التحديات التي واجهتها الأسرة عدم توفر مراكز متخصصة في الأطراف الصناعية العلوية داخل البلد، الأمر الذي جعل الحصول على الوسائل المناسبة يتطلب السفر المتكرر إلى الخارج.
- بيئة أسرية ترفض أن يكون الاختلاف عائقًا
منذ طفولته، حرصت أسرة عبد الملك على ألا يشعر بأنه مختلف عن إخوته وأقرانه، وأن تكون مشاركته في مختلف جوانب الحياة جزءًا طبيعيًا من نشأته.
وعن أكثر المواقف التي لمست فيها الأسرة إصراره وقوة إرادته، يستذكر والده: "أردنا منذ البداية ألا يشعر عبد الملك بأنه مختلف عن إخوته وأقرانه، فتم دمجه في مختلف نواحي الحياة والأنشطة. ولله الحمد تجاوز فترة التساؤلات عن حالته، حتى وصل إلى مرحلة يمارس فيها حياته كشخص طبيعي تمامًا مثل إخوته." ويتابع: "ولمسنا فيه شغف التعلم، والإصرار على التفوق، والمواظبة الدائمة على الدراسة." ومع رحلة الأسرة الطويلة في البحث عن العلاج ووسائل المساعدة، يرى خالد الإسماعيلي أن الإيمان وعدم اليأس كانا عاملين أساسيين في التعامل مع التحدي. وفي نصيحته إلى الأسر التي تمر بتجربة مشابهة، يؤكد: "الإيمان بالله واليقين التام بأن ما جعل الله من مرض إلا جعل له شفاء، وما أخذ شيئًا إلا عوّض عنه بخير منه. نصيحتي: عدم اليأس، والبحث عن أسباب العلاج ووسائل المساعدة، فوسائل البحث اليوم متاحة وميسّرة للجميع."
- بدايةٌ جديدةٌ في جامعة السلطان قابوس
أما عبد الملك بن خالد الإسماعيلي، الطالب المستجد في كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، فيصف أسبوعه الأول في الجامعة بأنه محطة حملت له شعورًا بالفرح بعد وصوله إلى هدف طالما سعى إليه وقال: "شعرتُ بفرحة وسعادة غامرة لوصولي إلى هدفي، وانبهرتُ بهذا الصرح العلمي الراقي الذي يسير وفق نظام مرتّب ومدروس بعناية." وبالنسبة إلى عبد الملك، فإن الوصول إلى الجامعة يمثل امتدادًا لمسيرة بدأ فيها التحدي منذ طفولته، عندما سعى مع أسرته إلى إيجاد وسيلة تمكنه من الإمساك بالقلم ومواصلة التعلم.
- من اليد اليدوية إلى اليد الإلكترونية
يستعرض عبد الملك رحلة حصوله على اليد الصناعية، والتي بدأت بمحاولات مبكرة لمساعدته على الإمساك بالقلم، قبل أن تتطور الوسيلة التي يستخدمها اليوم:"رحلة طويلة منذ الطفولة، سعى فيها أهلي للبحث عن وسيلة تعينني على الإمساك بالقلم من أجل التعلم. بدأت بيد يدوية بجهود شخصية من أهلي، ثم تطورت إلى هذه اليد الإلكترونية بفضل مستشفى خولة، جزاهم الله خيرًا."
لم ينتظر عبد الملك سنوات طويلة حتى يقرر كيفية التعامل مع ظروفه، بل يؤكد أن قراره بعدم الاستسلام بدأ منذ طفولته، مستندًا إلى الدعم المستمر الذي تلقاه من أسرته حيث أكد:"منذ الطفولة قررت ألا أستسلم أبدًا، بدعم وتشجيع دائم من أهلي. وكانت لحظة التحول عند حصولي على أول جهاز يدوي استخدمته لمسك القلم؛ حينها أدركت أن طريق طلب العلم أصبح سهلًا."
ومع انتقاله من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، تعامل عبد الملك مع فكرة الاختلاف من منظور خاص به، مؤكدًا أن ما يحدد الإنسان ليس اختلافه الجسدي، وإنما قدرته على استخدام عقله وتوجيهه فيما ينفعه: "كنت دائمًا أردد: المختلف منّا هو من لا يستغل عقله فيما ينفعه. ما دمتَ تملك عقلًا يفكر للأمام، فأنت بصحة وعافية."
خلال هذه الرحلة، لم يكن عبدالملك وحده في مواجهة التحديات؛ فقد كان لأسرته دور أساسي في دعمه ومساندته منذ طفولته، وهو ما يختصره في عبارة مباشرة:"هم سندي الأساسي وعزيمتي الدائمة، فلولاهم ما كنت وصلت إلى هنا."
واليوم، ومع دخوله كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، يواصل عبدالملك مسيرته التعليمية مستندًا إلى تجربة بدأت بمحاولات الأسرة البحث عن وسيلة تساعده على الإمساك بالقلم، وانتهت بوصوله إلى مرحلة جديدة من التعليم الجامعي.
وفي ختام حديثه، يوجه عبد الملك رسالته إلى كل من يقرأ قصته، واضعًا ثقته في قدرة الإنسان على تجاوز ما يواجهه من تحديات ما دام يمتلك القدرة على التفكير والمضي قدمًا:"ما دمتُ أملك عقلًا يفكر، فأنا قادر على فعل كل شيء."