29Mar
كيف غيرت بركة الموز النظرة الى الاستدامة الزراعية في سلطنة عمان؟
وسط الأشجار الوارفة التي تكسو نيابة بركة الموز في ولاية نزوى، وبين مزارعيها الساعين إلى أرزاقهم، أجرى الدكتور عمر الجابري وفريقه البحثي من كلية العلوم الزراعية والبحرية دراسة حالة مركّزة لرصد الممارسات الزراعية السائدة في النيابة، وذلك في إطار قياس مدى تطور الزراعة المستدامة في سلطنة عُمان، وسعيًا إلى تقديم بركة الموز، بما تتمتع به من مقومات طبيعية وسياحية، نموذجًا واقعيًا يدعم إستراتيجيات التنمية الريفية، ويعزز فرص دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وفي السياق العُماني عمومًا، لا تقتصر أهمية الزراعة على كونها مصدرًا لدعم سبل العيش فحسب، بل تمتد لتشكّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، ومحركًا لإيجاد فرص العمل، وعنصرًا داعمًا لرفاه المجتمع في مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية المتزايدة، ومن هذا المنطلق، سعت الدراسة إلى استكشاف سبل عملية لتحقيق الاستدامة الزراعية، من خلال تمكين النظم الزراعية المحلية، وتطوير المشروعات الزراعية، وتعزيز النماذج التعاونية بوصفها أدوات فاعلة للتنمية.
واعتمدت الدراسة نهجًا نوعيًا قائمًا على إشراك الجهات المعنية، مستفيدة من التحقيقات الميدانية، إلى جانب مراجعات نقدية للأدبيات الوطنية والدولية ذات الصلة. كما رصدت واقع القطاع الزراعي من خلال تحليل تصورات الجهات الفاعلة الرئيسة، بدءًا من صغار المزارعين والعمال الزراعيين، وصولًا إلى صانعي القرار والمتخصصين في التنمية الزراعية.
وبيّنت نتائج الدراسة استمرار وجود تحديات هيكلية مستمرة في القطاع الزراعي، من أبرزها سوء استخدام الموارد، وشيخوخة القوى العاملة الزراعية، ومحدودية القدرات التقنية، وتجزئة الأسواق، إلى جانب ضعف الدعم المؤسسي، وقد أسهمت هذه التحديات في الحد من الإنتاجية وتقويض استدامة المجتمعات الريفية، ومع ذلك كشفت الدراسة عن مستوى عالٍ من التفاؤل بين المعنيين حيال الإمكانات التحويلية للزراعة في سلطنة عُمان؛ إذ يرى المزارعون والجهات المؤسسية على حد سواء أن العمل الجماعي، سواء من خلال التعاونيات أو جمعيات المزارعين أو برامج الزراعة التعاقدية، يمثّل عامل تمكين رئيسًا للتغيير، لما يوفره من فرص لتحسين الوصول إلى الأسواق، وتشجيع الابتكار، وتعزيز مفهوم الملكية والمسؤولية المشتركة داخل المجتمعات الريفية.
وبالعودة إلى بركة الموز، تُبرز هذه الحالة نموذجًا تتعايش فيه الممارسات الزراعية التقليدية مع فرص التحديث الناشئة، حيث توضح الدراسة أن الزراعة التقليدية يمكن أن تكون مجدية اقتصاديًا، لا سيما عند دمجها بتقنيات الري الحديثة وتحسين التكامل مع الأسواق الإقليمية. كما تسلط هذه النتائج الضوء على فرص أوسع للتحول الريفي، تقوم على تعزيز أنظمة المعرفة التقليدية والبناء عليها بدلًا من استبدالها.
وتُختتم الدراسة بالتأكيد على الدور المحوري للحكومة في دعم مسار التحول الزراعي، من خلال بناء إطار تنظيمي ومؤسسي متين، والاستثمار في البنية الأساسية المادية والرقمية، وتسهيل الوصول إلى التمويل وبرامج التدريب، إضافة إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنسجم هذه التوجهات مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تركز على التنويع الاقتصادي، وتعزيز الرفاه الاجتماعي، وحماية البيئة، إلى جانب دعم الاقتصاد الأخضر، وتنويع مصادر الدخل، وتسخير الأصول الثقافية المحلية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.