جديد البحث العلمي
01Apr

التراث الموسيقي في عُمان بين الأرشفة والحياة

01 Apr, 2026 | Return|

تتشابك الموسيقى التقليدية في سلطنة عُمان بعمق مع الطقوس الثقافية للمجتمع، مجسِّدةً تنوّعًا غنيًا من التعبيرات الروحانية والإنسانية، وعلى الرغم من فرادة هذه التجربة الثقافية، ما تزال آليات التعامل مع التراث الثقافي وحفظه مجالًا غير مستكشف بما يكفي؛ الأمر الذي يجعل التراث الثقافي غير المادي، ولا سيما الموسيقى التقليدية عنصرًا حيويًا معرّضًا لخطر التآكل والاندثار. 

 

وفي هذا السياق طرحت دراسة منشورة للدكتورة آيات بنت ناصر المطاعنية رئيسة قسم الموسيقى والعلوم الموسيقية حول التراث الموسيقي العُماني نموذجًا متوازنًا يجمع بين الحماية المؤسسية المنظَّمة والأصالة التي يقودها المجتمع المحلي، انطلاقًا من قناعة مفادها أن التراث لا يمكن أن يظل حيًا إلا إذا تكاملت جهود الدولة مع المجتمعات المحلية، حيث مثلت الدراسة مقاربة سعت إلى تحقيق توازن دقيق بين الأرشيف والحياة اليومية، والهوية الوطنية والذاكرة الشعبية. 

 

وترى الباحثة أن سياسات صون التراث الثقافي غير المادي في سلطنة عُمان تواجه دوافع متباينة، تتأرجح بين السعي إلى تحقيق التجانس الوطني من جهة، والحفاظ على التنوع الثقافي من جهة أخرى، وقد أسهم هذا التوتر في بروز مبادرات الأرشفة المجتمعية، التي تركز على البعد الحي من التراث الموسيقي، وتسعى إلى توثيق الممارسات الموسيقية كما تُعاش في الفضاءات العامة، بعيدًا عن حصرها في الأطر الرسمية المغلقة. 

 

وتشير نتائج الدراسة المستندة إلى مقابلات إثنوغرافية مع مسؤولين حكوميين وأرشيفيين مجتمعيين وموسيقيين إلى أن المؤسسات الرسمية تنظر إلى التراث الثقافي غير المادي بوصفه عنصرًا محوريًا في بناء الهوية الوطنية، ودعم السياحة، وتعزيز الوحدة الاجتماعية، وتحقيق النمو الاقتصادي، ونتيجة لذلك، تُعطي هذه المؤسسات أولوية للأرشفة المنظَّمة والعرض الرسمي؛ ما يفضي إلى إنشاء مجموعات واسعة لكنها ثابتة نسبيًا من التسجيلات الموسيقية والمواد المرئية، تركز على العروض المُنسَّقة أكثر من تركيزها على الحيوية الديناميكية للتقاليد الموسيقية. 

 

في المقابل، تعتمد مبادرات الأرشفة المجتمعية أساليب أكثر مرونة وتشاركية في الحفظ، إذ توثّق الفعاليات الموسيقية الحية والعفوية، مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز التفاعل والمشاركة المجتمعية، وتسهم هذه الجهود في رصد التجارب المتغيرة للتقاليد الموسيقية، بما يكمل الدور الذي تؤديه الإستراتيجيات المؤسسية الرسمية. 

 

واختتمت الباحثة دراستها بالإجابة عن سؤال محوري: كيف يمكن إبقاء التراث الموسيقي العُماني حيًا دون حصره في الأرشيف، وتؤكد أن التعايش بين ممارسات الأرشفة المؤسسية والشعبية يفضي إلى إطار متوازن للحفظ، يجمع بين الحماية المنظَّمة والأصالة المجتمعية، ويقدّم هذا النهج المزدوج نموذجًا شاملًا لصون التراث الموسيقي العُماني، بوصفه في آنٍ واحد ثروة وطنية وتراثًا حيًا نابضًا بالحياة. 

 

رابط الدراسة: https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01971360.2025.2526912#abstract