جديد البحث العلمي
23Jun

هل تنجح العقوبات البديلة في الحد من الإجرام؟

23 Jun, 2026 | Return|

يقول القانونيون بأن العدالة في المجتمعات المستقرة لا تقوم على شدة العقوبة فحسب، بل على قدرتها على الإصلاح والإنصاف والعقلانية، فالعدالة في جوهرها ليست ممارسة انتقامية، بل أداة تهذيب اجتماعي تهدف إلى حماية المجتمع وإعادة توجيه من أخطأ فيه، ومن هذا المنطلق، يطرح الدكتور جمعة العزري من كلية الحقوق سؤالًا جوهريًا: هل يحقق السجن، بوصفه العقوبة الأكثر شيوعًا هذا الهدف فعليًا، أم أنه يقتصر على حرمان الحرية دون تحقيق إصلاح؟

على مدى عقود، واجهت المجتمعات الجريمة بأساليب متعددة، غير أن التجربة العالمية أثبتت أن العقوبة تفقد معناها عندما تتحول إلى غاية بحد ذاتها، فالسجن لا سيما قصير المدة، لم ينجح في تقويم السلوك الإجرامي بقدر ما أسهم في إنتاج مشكلات جديدة؛ من تفكك الروابط الأسرية، وتفاقم الأزمات النفسية، إلى ارتفاع معدلات العودة إلى الجريمة، فضلًا عن التكاليف الباهظة للاحتجاز.

وفي هذا السياق، برزت العقوبات البديلة بوصفها تجسيدًا لنضج السياسة الجنائية الحديثة، فهي لا تنكر ضرورة الردع، لكنها تعيد تعريفه ضمن إطار إنساني عقلاني يوازن بين حماية المجتمع وكرامة الفرد، وتشمل هذه العقوبات الخدمة المجتمعية، والإقامة الجبرية المدعومة بالتقنيات الحديثة مثل الأساور الإلكترونية، والعدالة التصالحية التي تركز على إصلاح الضرر، وإعادة بناء العلاقة بين الجاني والمجتمع.

وتُعد سلطنة عُمان نموذجًا مهمًا لدراسة هذا التحول، فعلى الرغم من اعتماد التشريعات العُمانية للسجن في العديد من الجنح البسيطة، فقد بدأ النظام القانوني فعليًا في تبني بعض البدائل، مثل وقف تنفيذ الحكم، والإفراج المشروط، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص وحدها، بل في توسيع نطاق تطبيقها، خصوصًا في الجرائم البسيطة التي لا تشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، كالتسول وبعض المخالفات النظامية.

ولا يمكن إغفال البعد الثقافي في هذا التحول؛ فالمجتمعات المحافظة غالبًا ما تنظر إلى العقوبة من زاوية الردع الصارم، وهنا يبرز دور الإعلام والثقافة القانونية في إعادة تشكيل الوعي العام، عبر ترسيخ فكرة أن العقوبات البديلة ليست تساهلًا مع الجريمة، بل خطوة واعية نحو عدالة أكثر فاعلية، تُصلح الفرد وتحمي المجتمع في آن واحد.